عبد الملك الجويني
592
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم قال صاحب التقريب : صلاة شدة الخوف سببها عذر نادر ؛ فإن انتهاء الأمر إلى الحالة المحوجة إلى إقامة الصلاة راكباً متردداً مستدبراً نادرٌ ، ثم هذا لا يدوم ، بل ينتجز الأمر ( 1 ) على القرب ، ولكن مع ندور ذلك تعلقت به رخصةٌ ظاهرة ، وهي صحة الصلاة من غير قضاء . هذا كلامه . وأنا أقول : لمن كان يعد القتالَ من الأعذار النادرة ، فليس كذلك ؛ فإن القتال في حق المقاتلة ليس نادراً ، وإن كان يعدّ حالةَ التفاف الصفوف والتحام الفريقين نادرةً في القتال ، فليس كذلك ؛ فإن هذا كثير الوقوع ، وهو عقبى كل قتال في الغالب . فالترتيب المرضيّ في ذلك أن يُعتمدَ النص ، ثم يتلقى من فحواه ما ينبغي أولاً ، فالركوب والمشي منصوصٌ عليه ، ومما يفهم من فحوى النص ترك الاستقبال ؛ فإن الراكب المقاتل المتردّد على حسب ما يقتضيه القتال ، لا يتصور أن يلزم الاستداد ( 2 ) في جهة واحدة ، وهذا يعضده قولُ ابن عمر رضي الله عنه . والاقتصار على الإيماء مستفاد من النص أيضاً ؛ فإن هيئة الركوب تقتضيه ، وكثرة الضربات في [ مقتولين ] ( 3 ) [ وأقرانٍ ] ( 4 ) في الطراد ، أو كثرة الأفعال الدافعة لائقةٌ بالقتال ، قريبةُ المأخذ من الإيماء المستفاد من الركوب ؛ فإن الاختيار إنما يفرض والصفوف قارّةٌ ، وإذا التفَّت ، فلا بد من توالي الضرب ، أو الاتِّقاء بالحَجَفة ( 5 ) والتُّرس . فهذا ينبغي أن يكون محتملاً ، وهو الذي قطع به شيخي . وقد نقل صاحب التقريب ، والعراقيون ، وأبو علي النصَّ ، وهو بعيد ؛ فإنه من مُتَضمن القتال في غالب الحال عند شدة الخوف . فأما ترديد الضرب في قِرْن واحد ، فقد عُد من النادر . وفيه نظر ؛ فإنه قد يعم من
--> ( 1 ) في ( ت 1 ) : الأمن . ( 2 ) الاستداد بالسين : الاستقامة . وقد تكررت . ( 3 ) في الأصل ، ( ط ) : مقبولين و ( ت 1 ) المقتولين . ( 4 ) في الأصل ، ( ط ) : وقران ، و ( ت 1 ) : واقتران ، والمثبت من ( ل ) . ( 5 ) الحجفةُ : الترس من جلود بلا خشب ، ولا رباطٍ من عصب . ( معجم ) .